محمد هادي معرفة

289

التفسير الأثري الجامع

أخذتهم بارقة العذاب وأهلكتهم ، فليأخذوا منهم العبرة والعظة ، إن كانوا يشعرون . نعم وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ المتاحة لديهم - وهي نعمة السلم ونعمة الإيمان - مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ وافته فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ . حيث لا مناص حينذاك من العقاب . وما بدّلت البشريّة نعمة إلّا أصابها ذلّ الهوان ، في حياتها على الأرض قبل هوان الآخرة الدائم . قال سيّد قطب : والتهديد بشدّة عقاب اللّه يجد مصداقه أوّلا في حال بني إسرائيل ، ويجد مصداقه أخيرا في المبدّلين للنعمة المتبطّرين عليها في كلّ زمان . وها هي ذي ، البشريّة المنكودة الطالع في أنحاء الأرض كلّها تعاني العقاب الشديد ، وتجد الشقوة النكدة ، وتعاني القلق والحيرة ، ويأكل بعضها بعضا ، ويأكل الفرد منها نفسه وأعصابه ، ويطاردها وتطارده بالأشباح المطلقة ، وبالخواء « 1 » القاتل ، الّذي يحاول المتحضّرون أن يملأوه تارة بالمسكرات والمخدّرات ، وتارة بالحركات الحائرة التي يخيّل إليك معها أنّهم هاربون تطاردهم الأشباح . ونظرة إلى صورهم في الأوضاع العجيبة المتكلّفة الّتي يظهرون بها : من مائلة برأسها ، إلى كاشفة عن صدرها ، إلى رافعة ذيلها ، إلى مبتدعة قبّعة غريبة على هيئة حيوان ! إلى واضع رباط عنق رسم عليه تيتل أو فيل ! إلى لابس قميص تربّعت عليه صورة أسد أو دبّ ! ونظرة إلى رقصاتهم المجنونة ، وأغانيهم المحمومة ، وأوضاعهم المتكلّفة وأزيائهم الصارخة في بعض الحفلات والمناسبات ؛ ومحاولة لفت النظر بالشذوذ الصارخ ، أو ترضية المزاج بالتميز الفاضح . ونظرة إلى التنقّل السريع المحموم بين الأهواء والأزواج والصداقات والأزياء بين فصل وفصل ، لا بل بين الصباح والمساء ! كلّ أولئك يكشف عن الحيرة القاتلة الّتي لا طمأنينة فيها ولا سلام . ويكشف عن حالة الملل الجاثم الّتي يفرّون منها ، وعن حالة « الهروب » من أنفسهم الخاوية وأرواحهم الموحشة ، كالّذي تطارده الجنّة والأشباح .

--> ( 1 ) هو الفراغ والخلأ الهائل .